الشيخ محمد رشيد رضا
86
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فالجواب عن هذا من وجهين ( أحدهما ) أن نقول أهل الكتاب ليس حجة عندنا ولم يثبت عندنا في كتاب ولا سنة ما ذكروه . وإذا كان قد وجد في المسلمين من حاول إثبات حلّ شرب ما دون القدر المسكر من الخمور كلها - الا ما اتخذ من عصير العنب وهو أقلها ضرا وشرا - مع نقل القرآن بالتواتر ، وحفظ السنة وسيرة أهل الصدر الأول بضبط واتقان لم يتفق مثله لأمة من الأمم في نقل دينها أو تاريخها - فهل يبعد ان يدعي أهل الكتاب مثل هذه الدعوى وينسبونها إلى أنبيائهم وهم لا يقولون بعصمتهم ؟ ( الوجه الثاني ) إننا إذا سلمنا ما ينقلونه في العهدين القديم والجديد من الأخبار الدالة على حل الخمر وعدم التشديد الا في السكر ، نقول ( أولا ) ان هذا التحريم من إكمال الدين بالاسلام ، وقد مهد الأنبياء له من قبل بتقبيح السكر وذمه ، ولم يشددوا في سد ذريعته بالنهي عن القليل من الخمر لما كان من افتتان البشر بها ومنافعهم منها ، كما فعل الاسلام في أول عهده . - ( وثانيا ) ان اللّه تعالى ما أكمل دينه العام بالاسلام الا وهو يعلم أن البشر سيدخلون في طور جديد تتضاعف فيه مفاسد السكر ، وان مصلحتهم وخيرهم ان يتسلح المؤمنون بأقوى السلاح الأدبي لاتقاء شرور ما يستحدث من أنواع الخمور الشديدة الفتك بالأجساد والأرواح ، التي لم يكن يوجد منها شيء في عصور أولئك الأنبياء عليهم السّلام ، وما ذلك الأسد ذريعة هذه المفسدة بتحريم قليل الخمر وكثيرها . وهاك بعض ما يؤثر عن كتبهم في ذمها : جاء في نبوة أشعيا عليه السّلام ( 5 : 11 ويل للمبكرين صباحا يتبعون المسكر للمتأخرين في القمة تلهبهم الخمر 12 وصار العود والرباب والدف والناي والخمر ولائمهم . وإلى فعل الرب لا ينظرون ، وعمل يديه لا يرون 13 لذلك سبي شعبي - لعدم المعرفة ، وتصير شرفاؤه رجال جوع وعامته يابسين من العطش 14 لذلك وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حد ) يشير إلى ما استحقوه بذنوبهم تلك من عذاب الدنيا والآخرة ثم قال ( 28 : 1 ويل لاكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه